عبد الكريم الطبال

 


خارج الدائرة

 

 


         لكي يعبر الشاعر إلى سدرة الشعر يعبر برزخين إثنين: برزخ الدائرة وبرزخ الملكوت.

         فالأول خارطة مرسومة وكتاب مرقوم. يتعلم فيه كيف يجوب في تضاريس القصيدة، وكيف يلتغ بما قبل النشيد، وفيه يتلقى هوس المخيلة ويقبس معايير البوح، وعليه بعد ذلك وهو في هذه الخارطة أن يلتزم بالمرسوم  والمرقوم، وعليه شرط الإقامة في الفصول الأربعة كلها.

          وقلما نجد من يحرف في المرسوم أو يجذف في المرقوم أو يثور على الشرط وعلى الذي تغويه نزعة الجنون أو كبرياء العصيان أن يستكشف في البرزخ مضائقه ومسالكه  وأن يستجلي خفاياه ومنافذه حتى يفر بجلده بسلام ويعبر بروحه بأمان، فالبقاء  طويلا فيه سكتة شعرية لامحالة.

والثاني برزخ الملكوت وهو ليس خارطة ولا كتابا هو فقط بياض مطلق لا اثر فيه لحرف، وهو نهر أزرق بلا ضفاف وهو سماء بيضاء غير مبدوءة ولامنتهية، وعلى الشاعر أن يكتب وأن يسبح وأن يحلق، ولكل وجهته التي هو موليها فلا أحد يصطدم بالآخر، ولا أحد يستولي على جهة الآخر، لا توجد في البرزخ معالم ولا أنصاب والتيه فيه هو القدر الذي لا محيد عنه، وبقدر ما يتيه الشاعر يكشف  جديدا بعد جديد.

          و " ترانيم للرحيل "  للشاعر الشاب محسن أخريف هي عبور بين البرزخ الأول والثاني، ومن خلال قراءتي الأولى للمجموعة الجميلة إستوقفتني أ كثر من قصيدة، وبالذات هذه القصيدة الصغيرة.

 

نداء للصبح

 

لا تنم أيها الصبح

وباغتني في كل حين

وحين يحين موعد نومك

اشرب قهوة سوداء

واربط جفنيك

إلى حاجبيك

عساك لاتتحول

إلى ليل.

 

       وكما إستوقفتني هذه، إستوقفتني قصيدة " براءة ".

       فقلت في نفسي بعد قراءة نداء للصبح : حقا هذا ما قاله النفري : " إذا لم تقف وراء الوصف اخذك الوصف ".

       وقد وقف الشاعر هنا.

       وقلت في نفسي كذلك : حقا ما قاله إليوت : " ليس بممتع من لا يضيف إلى معرفتنا شيئا " ، وقد أضاف الشاعر شيئا.

 

عبد الكريم الطبال

07 / 01 / 2001 .